وهاجر معه ابن أخيه لوط عليهما السلام، وهاجر موسى عليه السلام من مصر إلى مَدْين، وهذه سنة الأنبياء والصالحين، ولو شاؤوا لدعَوا على أهل الشرك فهلَكوا، أو سلِموا هم من أذاهم، ولم يهاجروا من أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك تشريعاً لأتباعهم؛ إذ لا يمكن كلاًّ من الأتباع ذلك، ولو أقاموا بين المشركين وآذوهم، لم يطيقوا، فربما
فتنوهم، أو أهلكوهم، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَقامَ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ". رواه الطبراني في"معجمه الكبير"، والبيهقي في"سننه"عن جرير - رضي الله عنه -.
وهو - أعني: حديث جرير المار - شامل - أيضاً - لمفارقة المشركين في الخلق والوصف والفعل، فهو متضمن النهي عن التشبه بالمشرك - أيضاً -، بل الحذر من التشبه بالمشركين هو السبب في نهي المسلم عن مساكنتهم، وأمره بمفارقتهم؛ فإن كثرة الاختلاط بالمشركين توجب ائتلاف من يخالطهم لأحوالهم، وتفضي به إلى التشبه بهم ولو في شيء ما من أحوالهم وأفعالهم، فتعينت مفارقتهم حذراً من سريان الطبع إلى الطبع - كما ذكرناه -.
وكذلك ورد:"مَنْ أكثَرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ".
وروى الخطيب البغدادي في"تاريخه"عن أنس رضي الله تعالى
عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سَوَّدَ مَعَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَوَّعَ مُسْلِماً لِرِضَىْ سُلْطانٍ جِيْءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَعَهُ".
وفي النهي عن تكثير سواد الكفار والفسَّاق مبالغة في التنفير عنهم وعن مخالطتهم؛ لأن ذلك صادق على الوقوف في سوادهم مرة واحدة.