وقوله:"وعلى فراق المشرك"شامل لمفارقته في الدار، فتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار الدِّيْن من بلاد الشرك إلى ديار الإسلام.
ولقد قطع الله الموالاة بين المؤمن المهاجر، والمؤمن الذي لم يهاجر؛ إذ كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة؛ تأكيداً لوجوب الهجرة على المؤمنين من بلاد المشركين، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} [سورة الأنفال: 72] .
وروى الإمام أحمد، وغيره - وصححه الحاكم - عن جرير بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - قال: المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة.
والمراد بالولاية في هذا الحديث: المناصرة والتوادُّ والتحالل.
وذلك أن المهاجر لما هاجر من أرض قومه وهم على كفرهم
وفارقهم، انقطعت الوصلة بينه وبينهم، واتصل بمن هاجر إليهم، وهذا بعينه هو السبب في اتحاد المهاجرين، والأنصار حتى جمعهم الله تعالى في كتابه، وقال في الأنصار: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [سورة الحشر: 9] ؛ وكيف لا يحبون من هاجر إليهم وقد رغب عن قومه إليهم!
والهجرة من شأن الأنبياء عليهم السلام، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم:"لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرءٍا مِنَ الأَنْصارِ، وَلَوْ أَنَّ النَاسَ أَخَذُوْا وادِياً وَشِعْباً، وَسَلَكَتِ الأَنْصارُ وادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصارِ وَشِعْبَهُمْ". رواه الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
ولقد هاجر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمر أصحابه بالهجرة، وهاجر قبله أبوه إبراهيم عليه السلام وقال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [سورة العنكبوت: 26] ، وقال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ} [سورة مريم: 48، 49] الآية.