وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم. ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم". (وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) : ولا تؤاخذون بسيئاتهم كمالا ينفعكم حسناتهم
قوله: (وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم) تعليل لقوله:"تلك إشارة إلى الأمة المذكورة"، والمعنى راجع إلى أن أحداً لا ينفعه كسب غيره، وفيه إشارة إلى بيان النظم، فكأن اليهود لما ادعوا تلك الدعوى الباطلة، وهي أنه ما مات نبي إلا على اليهودية، وألقمهم الله الحجر بقوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) على ما تقرر في وجه الاتصال، قالوا: هب أن الأمر كذلك، أليسوا بآبائنا وإليهم ينتهي نسبنا؟ مفتخرين، فأجيبوا بقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) .
قوله: (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم) ، قيل: هذا نفي في معنى النهي، ولهذا أكد بالنون، والحاصل أنه نهي عن أن يأتي الناس بالعمل وهم بالنسب، والأولى أن يقال: إن الواو للجمع، والمعنى على قوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
قوله: (كما لا ينفعكم حسناتهم) قاس عدم مؤاخذتهم بسيئات الأمة السابقة بعدم انتفاعهم بحسناتهم، وذلك إنما يحسن إذا تقرر المقيس عليه، وتقرره إنما يعلم من مفهوم قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) ، وعلم منه أن قوله: (وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وضع موضع عليهم ما كسبوا وعليكم ما كسبتم، وإنما عدل إلى نفي السؤال عنهم ليؤذن بأنهم لا يسألون عما
عملوا فضلاً عن أن يؤخذوا بما كسبوا، وإلى اختصاص النفي بهم للتعريض بأن الأنبياء يسألون عنهم سؤال توبيخ وإهانة، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) [المائدة: 109] ، أشار بقوله: هو سؤال توبيخ لقومهم، كما كان سؤال الموءودة توبيخاً للوائد، ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: 116] ، وللاعتناء بشأن هذا المعنى كررت الآية، وختمت بها القصة وجعلت ذريعة إلى الشروع في مشرع آخر من الكلام، والله أعلم. انتهى انتهى {حاشية الطِّيبِي على الكشاف. 3/ 94 - 114} .