قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
الثاني- معناه: من دخله كان آمنا من التشفي والانتقام، كما كانت العرب تفعله فيمن أناب إليه، من تركها لحق يكون لها عليه.
الثالث- أنه أمن من حد يقام عليه، فلا يقتل به الكافر، ولا يقتص فيه من القاتل، ولا يقام الحد على المحصن والسارق، قاله أبو حنيفة وغيره.
الرابع- أنه أمن من القتال،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» .
قال ابن العربي: والصحيح فيه القول الثاني، وهذا إخبار من الله تعالى عن منّته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه، إجابة لدعوة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم، حين أنزل به أهله وولده، فتوقع عليهم الاستطالة، أي الاعتداء، فدعا أن يكون أمنا لهم، فاستجيب دعاؤه.
والصحيح من اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى معناه: موضعا للصلاة المعهودة، كما بان في سبب نزول الآية السابق ذكره عن عمر رضي الله عنه، واتضح منه أربعة أمور: وهي أن ذلك الموضع هو المقام المراد في الآية، وأن المراد به الصلاة المتضمنة للركوع والسجود، لا مطلق الدعاء، وأن الصلاة عقب الطواف، وأن ركعتي الطواف مطلوبتان، وهما عند المالكية: واجبتان، فمن تركهما، فعليه دم.
وقال الجصاص الحنفي عن قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى هو أمر ظاهره الإيجاب، والمراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف،
وقد روي أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قد صلاهما عند البيت.
فدلت هذه الآية على وجوب صلاة الطواف، ودل فعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم لها تارة عند المقام، وتارة عند غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب.
ويفهم من قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ عدم جواز تولية الظالم، أو الفاسق، ولا فرق بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكما، كما لا تقبل شهادته ولا خبره لو روى خبرا عن النّبي عليه السّلام.