وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء ، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبئ عن كونه غير ممنون. الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً. {وإنك لعلى خلق عظيم} والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة ، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه. وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم ، وإليه الإشارة بقوله {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله {لعلى} إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع. قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن. وفي روياة: قرأت {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك ، وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت ، ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم وهدد أعداءه بقوله {فستبصر} يا محمد ما قدر لك من عز الدارين {ويبصرون} في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة. قوله {بأيكم المفتون} قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. وقال الفراء والمبرد