وقال بعض المتأخرين: هذا لا يجوز على حكاية الحال الماضية المقتضية ، أي لولا أن كان يقال تتداركه ، ومعناه: لولا هذه الحال الموجودة كانت له من نعم الله {لنبذ بالعراء} ، ونحوه قوله: {فوجد فيها رجلين يقتتلان} وجواب {لولا} قوله: {لنبذ بالعراء وهو مذموم} ، أي لكنه نبذه وهو غير مذموم ، كما قال: {فنبذناه بالعراء} والمعتمد فيه على الحال لا على النبذ مطلقاً ، بل بقيد الحال.
وقيل: لنبذ بعراء القيامة مذموماً ، ويدل عليه {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} ثم أخبر تعالى أنه {اجتباه} : أي اصطفاه ، {ونبيا من الصالحين} : أي الأنبياء.
وعن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعة في قومه.
ولما أمره تعالى بالصبر لما أراده تعالى ونهاه عن ما نهاه ، أخبره بشدة عداوتهم ليتلقى ذلك بالصبر فقال: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك} : أي ليزلقون قومك بنظرهم الحاد الدال على العداوة المفرطة ، أو ليهلكونك من قولهم: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع والأكل لفعله.
وقال الشاعر:
يتعارضون إذا التقوا في موطن ...
نظراً يزل مواطن الأقدام
وقال الكلبي: ليزلقونك: ليصرفونك.
وقرأ الجمهور: {ليزلقونك} بضم الياء من أزلق ؛ ونافع: بفتحها من زلقت الرجل ، عدى بالفتحة من زلق الرجل بالكسر ، نحو شترت عينه بالكسر ، وشترها الله بالفتح.
وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وعيسى: ليزهقونك.
وقيل: معنى {ليزلقونك بأبصارهم} : ليأخذونك بالعين ، وذكر أن اللفع بالعين كان في بني أسد.
قال ابن الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ، ثم يرفع جانب خبائه فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه ، فما تذهب إلا قليلاً ثم تسقط طائفة أو عدة منها.
قال الكفار لهذا الرجل أن يصيب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأجابهم ، وأنشد: