ثم قال عز وجل: {هذه جَهَنَّمُ} وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار ، تقول لهم الخزنة: هذه جهنم {التي يُكَذّبُ بِهَا المجرمون} يعني: جهنم التي كنتم بها تكذبون في الدنيا.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ} يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره ، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع ، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين ، فأكلوا منه ، فأخذ في حلقهم ، فاستغاثوا بالماء ، فأتوا من الحميم.
فإذا قربوا إلى وجوههم ، تناثر لحم وجوههم ، فيشربون ، فيغلي في أجوافهم ، ويخرج جميع ما فيها ، ثم يلقى عليهم الجوع ، فمرة يذهب بهم إلى الحميم ، ومرة إلى الزقوم ، فذلك قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ} .
ثم قال: {فَبِأَيّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} يعني: هو الذي ينجيكم من عذاب الآخرة ، إن أطعتم أمره ، وآمنتم برسله ، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى؟ ويقال: معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم ، لكي تنتهوا عن الكفر والمعاصي ، فلا تنكروا نعمتي عليكم.
فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع البلاء ، ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره ، فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ} يعني: من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة بين يدي ربه ، فانتهى عن المعصية ، فله في الآخرة {جَنَّتَانِ} يعني: بستانان.
وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية ، فيذكر الله عندها ، فيدعها ، فله أجران.
وذكر عن الفراء أنه قال: {جَنَّتَانِ} أراد به جنة واحدة ، وإنما ذكر {جَنَّتَانِ} للقوافي ، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام.
وقال القتبي: هذا لا يجوز ، لأن الله قد وعد ببستانين ، فلا يجوز أن يريد بهما واحداً ، فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله: تسعة عشر إنما هم عشرون ، ولكن ذكر للقوافي.