وَقِيلَ: (وَهُوَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِالْأُفُقِ الْأَعْلى) يَعْنِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: اسْتَوَى هُوَ وَفُلَانُ، وَلَا يُقَالُ اسْتَوَى وَفُلَانُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَالصَّحِيحُ اسْتَوَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجِبْرِيلُ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى عَلَى صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَأَحَبَّ النَّبِيُّ صلى الله وَسَلَّمَ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَاسْتَوَى فِي أُفُقِ الْمَشْرِقِ فَمَلَأَ الْأُفُقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى)
أَيْ دَنَا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى مِنَ الْأَرْضِ (فَتَدَلَّى) فَنَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ.
الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَظَمَتِهِ مَا رَأَى، وَهَالَهُ ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ حِينَ قَرُبَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ)
يَعْنِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ وَكَانَ جِبْرِيلُ (قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ والحسن وقتادة والربيع وغيرهم.
وعن
ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (دَنا) مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَدَلَّى) .
وَرَوَى نَحْوَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْمَعْنَى دَنَا مِنْهُ أَمْرُهُ وَحُكْمُهُ.
وَأَصْلُ التَّدَلِّي النُّزُولُ إِلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَقْرُبَ مِنْهُ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الْقُرْبِ، قَالَ لَبِيَدٌ:
فَتَدَلَّيْتُ عَلَيْهِ قَافِلًا ... وَعَلَى الْأَرْضِ غَيَابَاتُ الطَّفَلِ
وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّ الْفَاءَ فِي (فَتَدَلَّى) بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَالتَّقْدِيرُ ثُمَّ تَدَلَّى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَدَنَا.