(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى(45)
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ) وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنَّهُ هُوَ خَلَقَ كَمَا قَالَ: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) [النجم: 43] وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ، وَفِي الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ بَعِيدًا، لَكِنْ رُبَّمَا يَقُولُ بِهِ جَاهِلٌ، كَمَا قَالَ مَنْ حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) [الْبَقَرَةِ: 258] فَأَكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْفَصْلِ، وَأَمَّا خَلْقُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنَ النُّطْفَةِ فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَلَمْ يُؤَكِّدْ بِالْفَصْلِ أَلَا تَرَى إِلَى قوله تَعَالَى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى) [النَّجْمِ: 48] حَيْثُ كَانَ الْإِغْنَاءُ عِنْدَهُمْ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ بِفِعْلِهِمْ كَمَا قَالَ قَارُونُ: (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) [الْقَصَصِ: 78] وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) [النَّجْمِ: 49] لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يَكُونَ رَبُّ مُحَمَّدٍ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى فَأَكَّدَ فِي مَوَاضِعِ اسْتِبْعَادِهِمُ النِّسْبَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْإِسْنَادُ وَلَمْ يُؤَكِّدْهُ فِي غَيْرِهِ.
(وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى(47)
هَلْ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيْهِ النَّشْأَةُ مَرَّةً أُخْرَى، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (عَلَيْهِ النَّشْأَةُ الْأُخْرَى) فَرْقٌ؟
نَقُولُ: نَعَمْ إِذَا قَالَ: عَلَيْهِ النَّشْأَةُ مَرَّةً أُخْرَى لَا يَكُونُ النَّشْءُ قَدْ عُلِمَ أَوَّلًا، وَإِذَا قَالَ: (عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى) يَكُونُ قَدْ عُلِمَ حَقِيقَةُ النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، فَنَقُولُ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ عَلَيْهِ.
(وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى(52)