(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى(43)
(أَضْحَكَ وَأَبْكى) لَا مَفْعُولَ لَهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُمَا مَسُوقَتَانِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ لَا لِبَيَانِ الْمَقْدُورِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمَفْعُولِ.
يَقُولُ الْقَائِلُ: فُلَانٌ بِيَدِهِ الْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَلَا يُرِيدُ مَمْنُوعًا وَمُعْطًى.
* اخْتَارَ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّهُمَا أَمْرَانِ لَا يُعَلَّلَانِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ أَنْ يُبْدِيَ فِي اخْتِصَاصِ الْإِنْسَانِ بِالضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ وَجْهًا وَسَبَبًا، وَإِذَا لَمْ يُعَلَّلْ بِأَمْرٍ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ فَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، بِخِلَافِ الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: سَبَبُهُمَا اخْتِلَالُ الْمِزَاجِ وَخُرُوجُهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا أَنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا فِي الضَّحِكِ أَمْرًا لَهُ الضَّحِكُ قَالُوا: قُوَّةُ التَّعَجُّبِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يَبْهَتُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ وَلَا يَضْحَكُ، وَقِيلَ: قُوَّةُ الْفَرَحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَفْرَحُ كَثِيرًا وَلَا يَضْحَكُ، وَالْحَزِينُ الَّذِي عِنْدَ غَايَةِ الْحُزْنِ يُضْحِكُهُ الْمُضْحِكُ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي الْبُكَاءِ، وَإِنْ قِيلَ لِأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا بِالْأُمُورِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الطَّبِيعِيُّونَ إِنَّ خُرُوجَ الدَّمْعِ مِنَ الْعَيْنِ عِنْدَ أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ لِمَاذَا؟
لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْلِيلٍ صَحِيحٍ، وَعِنْدَ الْخَوَاصِّ كَالَّتِي فِي الْمِغْنَاطِيسِ وَغَيْرِهَا يَنْقَطِعُ الطَّبِيعِيُّ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ أَوْضَاعِ الْكَوَاكِبِ يَنْقَطِعُ هُوَ وَالْمُهَنْدِسُ الَّذِي لَا يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إلى قدرة الله تعالى وإرادته.
(وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا(44)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَتَى أَمَاتَ وَأَحْيَا حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ بَلْ مُشَاهَدَةُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ بِنَاءً عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ؟
نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَحْيَا وَأَمَاتَ.
ثَانِيهَا: هُوَ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ يُقَالُ: فُلَانٌ وَصَلَ وَاللَّيْلُ دَخَلَ إِذَا قَرُبَ مَكَانُهُ وَزَمَانُهُ، فَكَذَلِكَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ.
ثَالِثُهَا: أَمَاتَ أَيْ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْجُمُودَ فِي الْعَنَاصِرِ، ثُمَّ رَكَّبَهَا وَأَحْيَا أَيْ خَلَقَ الْحِسَّ والحركة فيها.