وَثَالِثُهَا: ذَمُّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، وَأَمَّا مَدْحُ مَنْ حَالُهُ لَا يُعْلَمُ، فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: لَا يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، بَلِ الظَّنُّ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، وَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ حَالِ الْعَاقِلِ وَاجِبٌ.
(ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى(30)
قُدِّمَ الْعِلْمُ بِمَنْ ضَلَّ عَلَى الْعِلْمِ بِالْمُهْتَدِي فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ مِنْهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَمِنْهَا فِي سُورَةِ (ن) وَمِنْهَا فِي السُّورَةِ، لِأَنَّ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا الْمَذْكُورُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُعَانِدُونَ، فَذَكَرَهُمْ أَوَّلًا تَهْدِيدًا لَهُمْ وَتَسْلِيَةً لِقَلْبِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَ قَالَ هَاهُنَا: بِمَنْ ضَلَّ وَقَالَ هُنَاكَ: (يَضِلُّ) [الأنعام: 117] ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ هَاهُنَا حَصَلَ الضَّلَالُ فِي الْمَاضِي وَتَأَكَّدَ حَيْثُ حَصَلَ يَأْسُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمِرَ بِالْإِعْرَاضِ، وَأَمَّا هُنَاكَ فَقَالَ تَعَالَى مِنْ قَبْلُ: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الْأَنْعَامِ: 116] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ) بِمَعْنَى إِنْ ضَلَلْتَ يَعْلَمُكَ اللَّه فَكَانَ الضَّلَالُ غَيْرَ حَاصِلٍ فِيهِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْ صِيغَةَ الْمَاضِي.