* قَالَ فِي الضَّلَالِ (عَنْ سَبِيلِهِ) وَلَمْ يَقُلْ فِي الِاهْتِدَاءِ إِلَى سَبِيلِهِ، لِأَنَّ الضَّلَالَ عَنِ السَّبِيلِ هُوَ الضَّلَالُ وَهُوَ كَافٍ فِي الضَّلَالِ لِأَنَّ الضَّلَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي السَّبِيلِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْوُصُولِ فَلَا ضَلَالَ، أَوْ لِأَنَّ مَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَقْصُودِ سَوَاءٌ سَلَكَ سَبِيلًا أَوْ لَمْ يَسْلُكْ، وَأَمَّا مَنِ اهْتَدَى إِلَى سَبِيلٍ فَلَا وُصُولَ إِنْ لَمْ يَسْلُكْهُ، وَيُصَحِّحُ هَذَا أَنَّ مَنْ ضَلَّ فِي غَيْرِ سَبِيلِهِ فَهُوَ ضَالٌّ وَمَنِ اهْتَدَى إِلَيْهَا لَا يَكُونُ مُهْتَدِيًا إِلَّا إِذَا اهْتَدَى إِلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهَا بِالْإِيمَانِ فَكَانَ الِاهْتِدَاءُ الْيَقِينِيُّ هُوَ الِاهْتِدَاءُ الْمُطْلَقُ فَقَالَ (بِمَنِ اهْتَدى) وقال (بِالْمُهْتَدِينَ) [القلم: 7] .
(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ...(32)
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِذَا كَانَ بَدَلًا عَنِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا فَلِمَ خَالَفَ مَا بَعْدَهُ بِالْمُضِيِّ وَالِاسْتِقْبَالِ حَيْثُ قَالَ تعالى: (الَّذِينَ أَحْسَنُوا) [النجم: 31] وَقَالَ: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) وَلَمْ يَقُلِ اجْتَنَبُوا؟
نَقُولُ: هُوَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ الَّذِينَ سَأَلُونِي أَعْطَيْتُهُمْ، الَّذِينَ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيَّ سَائِلِينَ أَيِ الَّذِينَ عَادَتُهُمُ التَّرَدُّدُ وَالسُّؤَالُ سَأَلُونِي وَأَعْطَيْتُهُمْ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا قَالَ: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) أَيِ الَّذِينَ عَادَتُهُمْ وَدَأْبُهُمُ الِاجْتِنَابُ لَا الَّذِينَ اجْتَنَبُوا مَرَّةً وَقَدِمُوا عَلَيْهَا أُخْرَى.
«فَإِنْ قِيلَ» : فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ قَالَ فِي الْكَبَائِرِ (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشُّورَى: 37] وَقَالَ فِي عُبَّادِ الطَّاغُوتِ: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ) [الزُّمَرِ: 17] فَمَا الْفَرْقُ؟