(إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ) أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ هُوَ وَحْيٌ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ غَيْرُ الْمُبَالَغَةِ وَهِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ هُوَ قَوْلُ كَاهِنٍ، هُوَ قَوْلُ شَاعِرٍ فَأَرَادَ نَفْيَ قَوْلِهِمْ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِصِيغَةِ النَّفْيِ فَقَالَ مَا هُوَ كَمَا يَقُولُونَ وَزَادَ فَقَالَ: (بَلْ هُوَ وَحْيٌ) وَفِيهِ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهُوَ قَوْلُهُ يُوحى ذَلِكَ كَقوله تَعَالَى: (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الأنعام: 38] وَفِيهِ تَحْقِيقُ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْفَرَسَ الشَّدِيدَ الْعَدْوِ رُبَّمَا يُقَالُ هُوَ طَائِرٌ فَإِذَا قَالَ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ يُزِيلُ جَوَازَ الْمَجَازِ، كَذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ مَنْ لَا يَحْتَرِزُ فِي الْكَلَامِ وَيُبَالِغُ فِي الْمُبَالَغَةِ كَلَامُ فُلَانٍ وَحْيٌ، كَمَا يَقُولُ شِعْرُهُ سِحْرٌ، وَكَمَا يَقُولُ قَوْلُهُ مُعْجِزَةٌ، فَإِذَا قَالَ يوحى يزول ذلك المجاز أو يبعد.
(مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى(17)
إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُحَمَّدًا، فَلَوْ قَالَ مَا زَاغَ قَلْبُهُ كَانَ يَحْصُلُ بِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِ (مَا زاغَ الْبَصَرُ) ؟
نَقُولُ لَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَحْضُرُ عِنْدَ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَهَابُهُ وَيَرْتَجِفُ إِظْهَارًا لِعَظَمَتِهِ مَعَ أَنَّ قَلْبَهُ قَوِيٌّ، فَإِذَا قَالَ: (مَا زاغَ الْبَصَرُ) يَحْصُلُ مِنْهُ فَائِدَةُ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عَظِيمًا، وَلَمْ يَزِغْ بَصَرُهُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ صَاحِبِ الْبَصَرِ.
* وَفِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (مَا زَاغَ وَمَا طَغَى) وَلَمْ يَقُلْ: مَا مَالَ وَمَا جَاوَزَ، لِأَنَّ الْمَيْلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْمُجَاوَزَةَ مَذْمُومَانِ، فَاسْتَعْمَلَ الزَّيْغَ وَالطُّغْيَانَ فِيهِ.