إذن: فوقك عالم آخر فوق ما يتصوَّره عقلك، لذلك قال تعالى:
{وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] بأيد، أي بقوة.
فيكفي أنْ تتأمل في مجال تسخير الكون لك أنْ تنظر إلى الشمس، وكيف سخَّرها الخالق لك فتعطيك النور والدفء والطاقة والأشعة المختلفة دون أنْ تبذل في سبيل ذلك شيئاً، ودون صيانة، ودون وقود، ودون أنْ تصلَ إليها أصلاً.
فهي تعمل في خدمتك منذ خلقها الله وإلى أنْ تقوم الساعة لا تحتاج منك إلى شيء، فقط عليك أنْ تستفيد منها، وأنْ تفكر في طبيعتها وكيفية استغلالها فيما ينفعك، ومثلها القمر يعطيك النور الحالم الهادئ، وبه نهتدي في ظلمة الليل:
{وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] .
والشمس والقمر خلقهما الله على هيئة الحركة، فهما متحركان منذ خلقهما الله وإلى قيام الساعة، يتحركان دون وقود وبلا طاقة بقانون العطالة كما قلنا، وهو أنْ يظلَّ المتحركُ متحركاً ما لم تُسكنه، ويظل الساكن ساكناً ما لم تحركه. وهذه الحركة قلنا بحساب دقيق محكم
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] .
والأرض كذلك ظرف لأشياء كثيرة وأجناس متعددة، ففيها الجماد وهو أدنى الأجناس، فإذا أضيفَ إليه النمو كان النبات، فإذا أضيف إليه الإحساسُ كان الحيوان، فإذا أضيف إليه العقل كان الإنسان وهو أعلى هذه الأجناس وأكرمها على الله.
لذلك سخَّر الله له كلّ هذه الأجناس وجعلها في خدمته، وجعله سيداً عليها وخليفة له في أرضه.
والحق سبحانه عندما تكلم عن الجماد قال:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] فقدَّم الثمار وهي من النبات قدَّمها على الجماد، لأننا لا نأكل الجماد وإنما نأكل النبات والثمار هي محصلته وما يهمني منه، وهي من مُقوِّمات الحياة.
ثم تكلم عن الجبال وهي مصدر الخيرات والثروات والمعادن والأحجار الكريمة؛ لذلك قال عنها في آية أخرى:
{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} [فصلت: 10] أي: في الجبال.