والثاني: أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل ، والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين ، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذوناً له فِي الانتفاع بسائر الأشجار ، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتاباً وأن يحكم عليه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه ، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيباً لا مخطئاً ، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل.
الوجه الثاني: فِي الاعتراض على هذا التأويل.
هب أن لفظ {هذا} متردد بين الشخص والنوع ، ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك ؟ فإن كان الأول فأما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر فِي معرفة ذلك البيان ، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب ، وإن لم يقصر فِي معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع ، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً.
الوجه الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن ، وذلك إنما يجوز فِي حق من لا يتمكن من تحصيل العلم ، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين ، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً وشرعاً ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية.