ثم يقول سبحانه: {وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور} [لقمان: 22] أي: مرجعها ، فلا نظن أن الله تعالى خلقنا عبثاً ، أو أنه سبحانه يتركنا سُدًى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] . ولو تركنا الله تعالى بلا حساب لكان المنحرف الذي أعطى لنفسه شهواتها في الدنيا أوفر حظاً من المستقيم ، وما كان الله تعالى ليغشَّ عبده الذي آمن به ، وسار على منهجه ، أو يسلمه للظلمة والمنحرفين .
وإذا كانت لله تعالى عاقبة الأمور أي: في الآخرة ، فإنه سبحانه يترك لنا شيئاً من ذلك في الدنيا نصنعه بذواتنا لتستقيم بنا مسيرة الحياة وتثمر حركتها ، ومن ذلك مثلاً ما نجريه من الامتحانات للطلاب آخر العام لنميز المجدّ من الخامل ، وإلا تساوى الجميع ولم يذاكر أحد ، ولم يتفوق أحد ؛ لذلك لا بُدَّ من مبدأ الثواب والعقاب لتستقيم حركة الحياة ، فإذا كنا نُجري هذا المبدأ في دنيانا ، فلماذا نستنكره في الآخرة؟
فهل يليق بهذا العالمَ الذي خلقه الله على هذه الدقة ؛ وكوَّنه بهذه الحكمة أن يتركه هكذا هَملاً يستشري فيه الفساد ، ويرتع فيه المفسدون ، ثم لا يُحاسبون؟ إن كانت هذه هي العاقبة ، فيا خسارة كل مؤمن ، وكل مستقيم في الدنيا .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم ...} .
بعد أن بيِّن الحق سبحانه أن إليه مرجع كل شيء ونهاية الأمور كلها ، أراد أن يُسلِّى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَن كَفَرَ . .} [لقمان: 23] أي: بعدما قلناه من الجدل بالعلم وبالهدى وبالكتاب المنير ، وبعدما بيناه من ضرورة إسلام الوجه لله ، مَنْ يكفر بعد ذلك {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ . .} [لقمان: 23]