وهذا القول من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم يدل على أن الله علم أن رسوله يحب أن تكون أمته كلها مؤمنة ، وأنه يحزن لكفر من كفر منهم ويؤلمه ذلك ، وقد كرر القرآن هذا المعنى في عدة مواضع ، منها قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] ويقول: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]
فالله تعالى يريد أنْ يقول لرسوله: أنا أرسلتُك للبلاغ فحسب ، فإذا بلَّغْت فلا عليك بعد ذلك ، وكثيراُ ما تجد في القرآن عتاباً لرسول الله في هه المسألة ، وهو عتاب لصالحه لا عليه ، كما تعاتب ولدك الذي أجهد نفسه في المذاكرة خوفاً عليه .
ومن ذلك قوله تعالى معاتباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى} [عبس: 1 - 3]
والعتاب هنا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الرجل المؤمن الذي جاءه يستفهم عن أمور دينه ، وذهب يدعو الكفار والمكِّذبين به ، فكأنه اختار الصعب الشاق وترك السهل اليسير ، إذن: فالعتاب هنا عتاب لصالح الرسول لا ضده ، كما يظن البعض في فهمهم لهذه الآيات .
كذلك الأمر في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ...} [التحريم: 1] فالله يعاتب رسوله لأنه ضيَّق على نفسه ، فحرَّم عليها ما أحله الله لها .
ثم يقول سبحانه: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ . .} [لقمان: 23] يعني: إذا لم تَرَ فيهم عاقبة كفرهم ، وما ينزل بهم في الدنيا ، فسوف يرجعون إلينا ونحاسبهم في الآخرة ، كما قال سبحانه في موضع آخر: {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ ...} [غافر: 77] أي: ترى بعينك ما ينزل بهم من العقاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77]