الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ لُقْمَانِ لِابْنِهِ {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} بِحُدُودِهَا {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ}
يَقُولُ: وَأْمُرِ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ {وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ}
يَقُولُ: وَانْهَ النَّاسَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَمُوَاقَعَةِ مَحَارِمِهِ {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}
يَقُولُ: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ مِنَ النَّاسِ فِي ذَاتِ اللَّهِ إِذَا أَنْتَ أَمَرْتَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَيْتُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْ ذَلِكَ مَا نَالَكَ مِنْهُمْ {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}
يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ عَزْمًا مِنْهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) }
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَلَا تُصَعِّرْ} فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ: {وَلَا تُصَعِّرْ} عَلَى مِثَالِ تُفَعِّلْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (وَلَا تُصَاعِرُ) عَلَى مِثَالِ تُفَاعِلُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَمَّنْ كَلَّمْتَهُ تَكَبُّرًا وَاسْتِحْقَارًا لِمَنْ تُكَلِّمُهُ؛ وَأَصْلُ الصَّعْرُ دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا أَوْ رُءُوسِهَا حَتَّى تُلْفِتُ أَعْنَاقَهَا عَنْ رُءُوسِهَا، فَيُشَبِّهُ بِهِ الرَّجُلَ الْمُتَكَبِّرَ عَلَى النَّاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومِ التَّغْلِبِيِّ:
[البحر الطويل]
وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلَةٍ فَتَقُومَا
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ.