وَأَمَّا النَّصَبُ فِي الْمِثْقَالِ، فَعَلَى أَنَّ فِي «تَكُ» مَجْهُولًا، وَالرَّفْعُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُضْمَرٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ تَكُ فِي مَوْضِعِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ، لِأَنَّ النَّكِرَاتِ تُضْمَرْ أَخْبَارُهَا، ثُمَّ يُتَرْجَمُ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ مِثْقَالُ الْحَبَّةِ. وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {مِثْقَالُ حَبَّةٍ} زِنَةُ حَبَّةٍ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: إِنَّ الْأَمْرَ إِنْ تَكُ زِنَةُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عَمِلْتَهُ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ، أَوْ فِي الْأَرْضِ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُوَفِّيكَ جَزَاءَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا الصَّخْرَةَ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَرْضُ؛ وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالُوا: هِيَ صَخْرَةٌ خَضْرَاءُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ، وَالْحُوتُ هُوَ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَ لُقْمَانُ لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ، وَلَا فِي الْأَرْضِ" [1] .
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا الْجِبَالَ، قَالُوا: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَتَكُنْ فِي جَبَلٍ.
وَقَوْلُهُ: {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} كَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجِّهُ مَعْنَاهُ إِلَى يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَلَا أَعْرِفُ يَأْتِي بِهِ، بِمَعْنَى يَعْلَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّ لُقْمَانَ، إِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَمَاكِنَهُ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَكَانُ شَيْءٍ مِنْهُ فَيَكُونُ وَجْهًا.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِ الْحَبَّةِ مِنْ مَوْضِعِهَا حَيْثُ كَانَتْ خَبِيرٌ بِمَوْضِعِهَا.
[1] لا يخفى ما فيه من كذب واختلاق، ورائحة الإسرائيليات تفوح من جميع جوانبه، فضلا عن افتقاره إلى سند صحيح، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، والله أعلم.