وقد قرأ الجمهور: لِيُضِلَّ بضم الياء - أي: يشترى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله، ولكي يتخذ آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لِيُضِلَّ - بفتح الياء - فيكون المعنى: يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا في ضلاله.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو، أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن، ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟.
قلت: فيه معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمده، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد الناس عنه. والثاني: أن
يوضع ليضل موضع ليضل، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف .. .
وقوله: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية.
أي: أولئك الذين يشترون لهو الحديث، ليصرفوا الناس عن دين الله - تعالى - ، وليستهزئوا بآياته، لهم عذاب يهينهم ويذلهم، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان.
ثم فصل - سبحانه - حال هذا الفريق الشقي فقال: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ أي: على النضر وأمثاله آياتُنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدق نبينا صلّى الله عليه وسلم.
وَلَّى مُسْتَكْبِراً أي: أعرض عنها بغرور واستعلاء. كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها أي: كأن حاله في استكباره عن سماع الآيات، كحال الذي لم يسمعها إطلاقا.
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أي: كأن في أذنيه صمما وثقلا ومرضا يحول بينه وبين السماع.
والجملتان الكريمتان حال من قوله مُسْتَكْبِراً والمقصود بهما توبيخ هذا الشقي وأمثاله، وذمهم ذما موجعا لإعراضهم عن الحق.
وقوله - تعالى -: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ تهكم به، واستخفاف بتصرفاته.
أي: فبشر هذا الشقي الذي اشترى لهو الحديث، وأعرض عن آياتنا بالعذاب الأليم، الذي يناسب غروره واستكباره.
ثم أكدت السورة الجزاء الحسن الذي أعده الله - تعالى - للمؤمنين، وذكرت جانبا من مظاهر قدرته - سبحانه - ، ورحمته بعباده، فقال - تعالى -: