وحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك.
قال رويشد بن حنظلة:
غَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ... نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ
فَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ أَعْصُراً ... فَمَالِكُ مَوْتٍ بِالْفِرَاقِ دَهَانِي
وهذا الشاعر ماتت نساؤه وأطال التزوج فلم تلبث عنده واحدة، فهذا كما ترى سمى المَلَك: (مَالِكاً) ، وأما البيت الذي أُنشد في (الْمَلْأَك) فليس فيه حجة قاطعة فإنه شاعر واحد، ولم يسمع (الْمَلْأَك) إلا في ذلك البيت الواحد، ولعله همز ما ليس أصله الهمز كما قالوا: (رمح يَزْأَنِيَّ) فزادوا الهمز، وقالوا: (حَلَّأْتُ السَّويق) وليس أصله الهمز، ومثله كثير.
وأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل.
ويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا) ، وإن كان الواحد (فَعَلاً) ، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح:
مقابح، وفي جمع الحسن: محاسن، وفي جمع الشبه: مشابه، وفي جمع العزف وهو اللهو معازف، وقالوا: أطعمني مطايب الجزور، لجمع طيب، وهذا باب واسع.
والأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر عليها الواحد، فالمحاسن لفظة نابت عن جمع الحسن، وكذلك أشباهها، هذا كلامه وهو طويل وقد اختصرته.
وحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات علمه، فهذا الذي ذكرنا طرف من الكلام في أصل هذا الحرف على مقدار ما يليق بهذا الكتاب (على صورة
المضي، لأن ما تحقق كونه، فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} وأشباهه.
وقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع زائدة. معناه: وقال ربك للملائكة. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول، وهو أن الحرف إذا كان مفيداً معنى صحيحاً لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال لربك.
وقال الزجاج: إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعند غيره من المفسرين: أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر.
و (الملائكة) : الرسل واحدها مَلَك وأصله (مَأْلَك) وجمعها