فالجواب أن يقال: اختلف الناس فِي هذا الباب ، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يُعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه.
وعندنا: النظر طريق إلى معرفة الإمام ، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضاً إليه ؛ وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بَنَوْه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يُعرف به شيء أصلاً ، وأبطلوا القياس أصلاً وفرعاً.
ثم اختلفوا على ثلاث فرق: فرقة تدّعي النص على أبي بكر ، وفرق تدّعي النص على العباس ، وفرقة تدّعي النص على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم.
والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعةً إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك ؛ لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله فِي غير معيّن ، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف ؛ وإذا وجب العلم به لم يَخْل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلّة العقول أو الخبر ، وليس فِي العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معيّن ، وكذلك ليس فِي الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معيّن ؛ لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواتراً أوجب العلم ضرورةً أو استدلالا ، أو يكون من أخبار الآحاد ؛ ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورةً أو دلالة ، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلّف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعيَّن وأن ذلك من دين الله عليه ، كما أن كل مكلّف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات ، وصوم رمضان ، وحج البيت ونحوها ؛ ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة ، فبطلت هذه الدعوى ، وبطل أن يكون معلوماً بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به.