ودليلُنا قولُ الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} ، وقوله تعالى: {ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض} [ص: 26] ، وقال: {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض} [النور: 55] أي يجعل منهم خلفاء ، إلى غير ذلك من الآي.
وأجمعت الصحابة على تقديم الصدّيق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار فِي سَقِيفة بني ساعدة فِي التعيين ، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ؛ فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك ، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحيّ من قريش ، ورووا لهم الخبر فِي ذلك ، فرجعوا وأطاعوا لقريش.
فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا فِي قريش ولا فِي غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا فِي قريش ولا فِي غيرهم ، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة فِي أمر ليس بواجب.
ثم إن الصدّيق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر فِي الإمامة ، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك ؛ فدلّ على وجوبها وأنها ركن من أركان الدِّين الذي به قوام المسلمين ، والحمد لله رب العالمين.
وقالت الرافضة: يجب نصبه عقلاً ، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل ؛ فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرَك من جهة السمع دون العقل.
وهذا فاسد ؛ لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يُقبِّح ولا يُحسِّن ؛ وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل ، وهذا واضح.
فإن قيل: إذا سُلِّم أن طريق وجوب الإمامة السمع ، فخبّرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم من جهة اختيار أهل الحَلّ والعَقد له ، أم بكمال خصال الأئمة فيه ، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه ؟