فكان أول الخطاب ب الم ذلك الكتاب إقبالاً عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال عليه السلام:"أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول"وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه ، وكتب فِي الذكر الأول كل شيء ، فخاطبه الله عز وجل بما فِي الذكر الأول وأنزله قرآناً ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق ليكون الآخر الأول فِي كتابه كما هو فِي ذاته ، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة تنبيهاً لمن أعرض عن الاستضاءة بنور العقل لما بين الطرفين من تناسب التقابل ؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته فِي خلق آدم ليكون ذلك ترغيباً للمبشرين فِي علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية الدعوة تنبيهاً للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال ، وخصوص الإنزال إنما هو فِي الإنباء بغيب الكون من ملكوته وغائب أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية ، فذلك الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الإيمان إلى رتبة اليقين ، وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما فِي نور العقل هدايته من أجل المعرضين ؛ فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور: أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء الله من اسمه الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى اسمه العظيم الذي هو الله ، والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيباً وترهيباً ، والثالث الإعلام بماضي أمر الله جمعاً للهمم للجد والانكماش فِي عبادة الله ، والرابع التبصير ببواطن كائن الوقت الذي فِي ظاهره إعلامه ؛ فكان أول التنزيل فِي هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله وهو كتب مقتضى العلم والقدرة فِي قسمه تعالى عباده بين مؤمن وكافر ومنافق ، ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير فعم به الناس ونبههم