قال أبو حيان: أجاز الْحَوْفِيُّ: أن يكون (الَّذِي) مبتدأ، و (فَهُوَ يَهْدِينِ) ] ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، ورد بأن الموضع هنا خاص، فليس فيه معنى الشرط، فليس نظير الذي يأتيني فله درهم، وأيضا فليس الفعل الذي هو (خَلَقَ) لَا يُمْكِنُ فِيهِ تَحَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إبراهيم عليه السلام، قلت: وكذا قال أبو حيان، في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) إن الفاء إنما تدخل في خبر الموصول إذا كان عائداً وفيه معنى التعليل، وعادتهم يردون عليه بهذه الآية؛ لأنه ليس يعلم وليس الخلق علة في الهداية، وإلا لزم عليه مذهب المعتزلة في أن خالق لجميع النَّاس عندهم منزه عن فعل القبيح وإرادته، ونحن نقول: خلق جميعهم ليهدي بعضهم ويضل بعضهم؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد سبحانه وتعالى، وأجيب: بأن المراد الذي خلقني على هذه الصفة الخاصة فهو يهديني، فذلك الخلق الخاص سبب في الهداية، وانظر ما تقدم في سورة قد أفلح، في قوله تعالى: (ثَقُلَتْ مَوَازينُهُ) .
قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) }
إنما جمع المرسلين بناء على أن آدم عليه الصلاة والسلام رسول، وكذلك إدريس عليه السلام رسول، وهو سابق على نوح عليه السلام، ولأنهم إذا كذبوا نوحا فقد كذبوا المرسلين، لأنهم جاءوا بمثل ما جاء به نوح عليهم السلام، ولأن المعجزات متحدة، فتكذيبهم لمن جاء بشيء منها تكذيب للجميع، وجمعه باعتبار تفسير حالاته، فهو في حالة يدعوهم إلى الله بشيرا، وفي حالة يدعوهم إلى الله نذيرا مخوفا، كقوله:
فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها ... يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك
قوله تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... (109) } .. ، ولم يقل: ما أقبل منكم عليه أجرا، فهو أعم؛ لأن الدعاء إلى الله تعالى وطلب الامتثال له يقتضي التشوف للأجر على ذلك، فلهذا قال: (وَمَا أسْأَلُكُم) .
قوله تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) }