وقوله {فتقطعوا} وجاء هنا {وأنا ربكم فاتقون} وهو أبلغ في التخويف والتحذير من قوله في الأنبياء {فاعبدون} لأن هذه جاءت عقيب إهلاك طوائف كثيرين من قوم نوح ، والأمم الذين من بعدهم وفي الأنبياء وإن تقدمت أيضاً قصة نوح وما قبلها فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام في قصة أيوب ويونس وزكريا ومريم ، فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته تعالى وجاء هنا {فتقطعوا} بالفاء إيذاناً بأن التقطيع اعتقب الأمر بالتقوى ، وذلك مبالغة في عدم قبولهم وفي نفارهم عن توحيد الله وعبادته.
وجاء في الأنبياء بالواو فاحتمل معنى الفاء ، واحتمل تأخر تقطعهم عن الأمر بالعبادة ، وفرح كل حزب بما لديه دليل على نعمته في ضلاله ، وأنه هو الذي ينبغي أن يعتقد وكأنه لا ريبة عنده في أنه الحق.
ولما ذكر تعالى من ذكر من الأمم ومآل أمرهم من الإهلاك حين كذبوا الرسل كان ذلك مثالاً لقريش ، فخاطب رسوله في شأنهم بقوله {فذرهم في غمرتهم حتى حين} وهذا وعيد لهم حيث تقطعوا في أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقائل هو شاعر ، وقائل ساحر ، وقائل به جنة كما تقطع من قبلهم من الأمم كما قال {أتواصوا به بل هم قوم طاغون} قال الكلبي {في غمرتهم} في جهالتهم.
وقال ابن بحر: في حيرتهم.
وقال ابن سلام: في غفلتهم.
وقيل: في ضلالتهم {حتى حين} حتى ينزل بهم الموت.
وقيل: حتى يأتي ما وعدوا به من العذاب.
وقيل: هو يوم بدر.
وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
وقرأ الجمهور {في غمرتهم} وعليّ بن أبي طالب وأبو حيوة والسلمي في غمراتهم على الجمع لأن لكل واحد غمرة ، وعلى قراءة الجمهور فغمرة تعم إذا أضيفت إلى عام.
وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم ، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل ، قال الشاعر:
كأني ضارب في غمرة لعب ...