الثالثة: وهذه الآية تقوّي أن قوله تعالى:"ياأيها الرسل"إنما هو مخاطبة لجميعهم ، وأنه بتقدير حضورهم.
وإذا قدرت"ياأيها الرسل"مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فَلَق اتصالَ هذه الآية واتصالَ قوله:"فتقطعوا".
أما أنّ قوله: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون} وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى ؛ فيحسن بعد ذلك اتصال.
{فتقطعوا} أي افترقوا ، يعني الأمم ، أي جعلوا دينهم أدياناً بعد ما أمروا بالاجتماع.
ثم ذكر تعالى أن كلاً منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال.
الرابعة: هذه الآية تنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"ألاَ إنّ مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة"الحديث.
خرّجه أبو داود ، ورواه الترمذي وزاد: قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي"خرّجه من حديث عبد الله بن عمرو.
وهذا يبيّن أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده ، لأنه قد أطلق عليها مِلَلاً ، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار.
ومثل هذا لا يقال في الفروع ، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار ؛ قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] .
قوله تعالى: {زُبُراً} يعني كتباً وضعوها وضلالات ألّفوها ؛ قاله ابن زيد.
وقيل: إنهم فرّقوا الكتب فاتبعت فرقةٌ الصحفَ وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ، ثم حرف الكلّ وبدّل ؛ قاله قتادة.
وقيل: أخذ كل فريق منهم كتاباً آمن به وكفر بما سواه.
و"زُبُراً"بضم الباء قراءة نافع ، جمع زبور.
والأعمش وأبو عمرو بخلافٍ عنه"زُبَراً"بفتح الباء ، أي قطعاً كقطع الحديد ؛ كقوله تعالى:
{آتُونِي زُبَرَ الحديد} [الكهف: 96] .
{كُلُّ حِزْبٍ} أي فريق ومِلّة.