قال ابن كثير: والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها ، واشتغل بها عما عداها ، وآثرها على غيرها ، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين"وجعلت قرة عيني في الصلاة"رواه أحمد والنسائي عن أنس - رضي الله عنهم -"يا بلال! أرحنا بالصلاة"- رواه أحمد عن رجل من أسلم - رضي الله عنهم - .
ولما كان كل من الصلاة والخشوع صاداً عن اللغو ، أتبعه قوله: {والذين هم} بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم {عن اللغو} أي ما لا يعنيهم ، وهو كل ما يستحق أن يسقط ويلغى {معرضون} أي تاركون عمداً ، فصاروا جامعين فعل ما يعني وترك ما لا يعني.
ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف: فعل الخشوع وترك اللغو ، وكان الإنسان محل العجز ومركز التقصير ، فهو لا يكاد يخلو عما لا يعنيه ، وكان المال مكفراً لما قصد من الإيمان فضلاً عما ذكر منها على سبيل اللغو ، فكان مكفراً للغو في غير اليمين من باب الأولى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] أتبعه قوله: {والذين هم} وأثبت اللام تقوية لاسم الفاعل فقال: {للزكاة} أي التزكية ، وهي إخراج الزكاة ، أو لأداء الزكاة التي هي أعظم مصدق للإيمان {فاعلون} ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب والقالب والمال ؛ قال ابن كثير: هذه مكية ، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة ، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب ، وأن أصل الزكاة كان واجباً بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام
{وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] .
ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة ، وأن حبسه عن ذلك تلفة ، أتبعه الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير وجهه نجاسة ، وحفظه طهرة.