اقرأ قول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} (النمل:67، 68) وقارنه بقوله - عز وجل -: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ} (المؤمنون:81: 83) . فإنك تجد في الآية الأولى: {وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} ، وفي الثانية: {وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا} ؛ وذلك لأن السياق في الآية الأولى ينبئ بأن مصب الإنكار وموضعه والجهة التي نظر إليها الكفرة وقصدوها بإنكارهم إنما هي البعث، فبعثهم وإخراجهم بعد موتهم وصيروتهم ترابًا هم وآباؤهم، هو الغرض الذي تعمم بالكلام وقصد: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} ولذا قدم اسم الإشارة المشار به إلى البعث، إذ هو الغرض المقصود والمساق له الكلام.
أما في الآية الثانية: فالسياق ينبئ بمدى تمسكهم بعقائد الآباء وحرصهم على محاكاتها وتقليدهم فيها. فموضع الإنكار ومصبه والجهة المنظور منها هي المبعوثون لا البعث فهم سياق الحديث والغرض الذي تعمد به وقصد.
فلما كان الغرض المقصود في الآية الأولى هو البعث، قدم اسم الإشارة، ولما كان الغرض المقصود في الآية الثانية هم المبعوثون، قدم ما يدل عليهم: {نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} .
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ... (100) }
وقوله: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} (المؤمنون:106: 107) .
وكأن الكافر وقد حضره ملك الموت، وأبصر زبانية العذاب، أصابه الهول، فصار يطلب ما لا سبيل إلى تحقيقه، ولا يدري ماذا يقول؟ وكذا في الآية الثانية، كأن الأشقياء لشدة ما ذاقوا من العذاب في جهنم أصبحوا في حيرة وتخبط، فصاروا يطلبون ويتمنون ما لا سبيل إلى تحقيقه.
{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) }