أقول: لمن تقحم الباء أو جعلها زائدة: لقد استسرفت فيما تجشمت، ولعل تضمين (تُنبت) معنى (تنضح) أقرب للسياق وأحكم، لأن نضح يتعدى بالباء وكان النَّضح يحكي حكاية وصول الزيت إلى ثمرة الزيتون يرشح به نَسْغها شيئاً بعد شيء، تختزنه في ثمراتها حتى تمتلئ به ثم يُعصر فيكون منه الدهن (الزيت) وإذا كان حمل الظاهر (تنبت) على المحتمل
(تنضح) لابد له من دليل يعضده ليجعله راجحا، فتعدية نضح بالباء قرينة مرجحة له، والسياق بعد هذا يشي بالنماء والعطاء على هَينة وفي بطءٍ على المدى، كما تُرشح الأم ولدها باللبن.
وجمع التضمين المعنيين ليفيدهما جميعا: الإنبات والنضح.
أما أن نجعل الباء زائدة فمسألة مَعيفة ومذهب على علاته ذميم، والتورد فيه وعْر المسلك ثم هو تضييع للحكمة من وجودها، فما جاءت إلا لتُكسب المعنى نُبْلا وتظهر في النظم مزية، فمن غفل عن سر بيانها وحسن صنعتها فليُمسكْ عن القول بزيادتها، فالبيان المعجز غني عن الزيادة.
(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون(53)
ذكر العكبري: أي تقطعوا في أمرهم. عدي تقطعوا بنفسه لأنه بمعنى قطَّعوا أي فرّقوا. ومثله الجمل.
وقال الزمخشري: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيصير لهذا نصيب ولذاك نصيب تمثيل لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى.
وذكر الآلوسي: تقطع مضمن معنى الجَعْل فلذا تعدى إلى (أمرهم) بنفسه.
وقال أبو البقاء: تقطعوا أمرهم أي في أمرهم أي تفرقوا. وقيل: عدي بنفسه لأنه بمعنى التمييز ولا يخفى على ذي تمييز.
أقول: من معاني تفعَّل: الاتخاذ: توسدت ثوبي: أي تخذته وسادة.
وعليه تقطعوا أمرهم: اتخذوه قطعا. الزبور واحد فجعلوه زبرا كثيرة، وتصريم الذبيحة: تقيطع أشلائها مزقا ليخرج كل مقتطع بمِزْقة أو نصيب، ولا تخفى شناعة هذه الصورة، تحطُّ من قداسة كتابهم ودينهم، وتغضُّ من نفاسة معتقدهم.
أحزاب لا تلتقي على منهج، وأوزاع لا تجتمع في سبيل، لغفلةٍ تغمر القلوب المنحرفة أو الضالة عن الحق لا تفكر في الخروج من التيه أغلقت أعينها عن كل شعاع منير، حين تخذت دينها مزقا، كل حزب بمزقته فرح، وعليه صار تضمين (تقطع) معنى (تَخِذ) والمتعدي إلى مفعولين.
إنه التضمين تنال به الرغائب ولا يناله إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عِرْق.