قال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) ، الفاء للإفصاح عن شرط مقدر تقديره: إذا كان قد أنزل القرآن وصرف من الوعيد ليتقي من يتقي ولينذر من لم يتعظ، فإن هذا يدل على علوه وكمال حكمته. (تعالى) معناها بلغ في العلو أعلاه، وقد تعالى في ذاته وصفاته فليس كمثله شيء، وهو منزه عن الحوادث ومتصف بصفات الجلال والكمال، وهو الملك النافذ الأمر في خلقه، والمبدع لهذا الوجود
الذي لَا سلطان لأحد سواه، وكل سلطان لأحد في الأرض مضطرب ينتهي إلى زوال، ومحاسب عما يفعل، ومجزي على عمله، وتدبيره وفكره العملي، فالله هو الملك الحق الثابت الذي لَا يكون فوقه أحد، وهو العدل الذي يقدر كل شيء حق قدره.
هذا هو الله خالق السماوات والأرض وما بينهما، وهو الذي يملك ميزان هذا الوجود: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) .
ولقد ذكر سبحانه نزول القرآن فقال عز من قائل: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وحْيهُ) .
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يساوق الأمين جبريل في قراءته عندما يوحى إليه بالقرآن فنهاه
الله تعالى عن ذلك، وقال هذا النص السامي له تعليما عند تلقي القرآن الكريم، وقوله تعالى: (مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُه) ، أي من قبل أن ينتهي وحيه إليك ويحكم بترتيله وتلاوته، حتى ينقله إلى أمته مرتلا فيتوارثوه مرتلا، وذلك كقوله تعالى: في سورة القيامة: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) ، وقرءاته الثانية معناها تلاوته وترتيله، كما قال تعالى: (. . . وَرَتِّلِ الْقُرانَ تَرْتِيلًا) ، وكما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا(32) .