وقوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) ، هذا جواب الشرط، ومعناه يعطون أجرهم موفورا غير منقوص (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) الظلم النقص من العمل أو ثوابه، والهضم معناه الكسر، وقد خاض المفسرون في الفرق بينهما، وحيثما اجتمعا وجب ذكر الفرق؛ لأنه يجب أن يكون لكل معنى خاصا به مؤسسا عليه والتأسيس أولى من التأكيد.
ونقرب الفرق بينهما فنقول: إن الظلم هنا هو النقص من الأعمال التي يستحق عليها الثواب، والزيادة من السيئات انتقاص من الأعمال الصالحة، وأما الهضم فهو ألا تعطى الأعمال حقها فتكسر، كما يكسر الطعام في قلب الهضيم، والله أعلم.
بعد ذلك ذكر الله تعالى القرآن الكريم في مقام بيان الحق والهداية في الحياة الدنيا وكيف بقي محفوظا إلى يوم الدين.
قال تعالى:
(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا(113)
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا) ، أي كهذا الإنزال الذي عاينته ونزل على قلبك قرآنا عربيا، والإشارة لبيان شأنه، والمشبه هو ما قدره الله لك معجزة، والمشبه به هو هذا الذي تذكر به، وهنا نلاحظ ملاحظتين: أولاهما - أنه هنا عبر بـ (أَنزَلْنَاهُ) ، وفي أكثر الآيات كان التعبير بـ نزلنا، وينزل، فما الفرق ولم كان الاختيار بـ أنزلناه؛ ونتلمس الحكمة فنقول: إن المراد به القرآن كمعجزة في ذاته سواء أنزل دفعة واحدة أم منجما، فكان التعبير بـ أنزلنا، وعندما كان ينزل لبيان الشرع ولحفظ آية آية كان التعبير بـ نزلنا، وهنا بيان أنه معجزة وأنه جاء مبشرا ومنذرا ينتفع به المتقون ويذكر به غيرهم ليكون لهم نذيرا.