وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ عَنَى أَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ فِي الدُّنْيَا، إِنَّمَا قِيلَ لَهَا ضَنْكٌ وَإِنْ كَانَتْ وَاسِعَةً، لِأَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ مَا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى تَكْذِيبٍ مِنْهُمْ بِالْخُلْفِ مِنَ اللَّهِ، وَإِيَاسَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَسُوءِ ظَنٍّ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ، فَتَشْتَدُّ لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهُمْ وَتَضِيقُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَقُولُ: كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لَا يَتَّقِينِي فِيهِ، لَا خَيْرَ فِيهِ، وَهُوَ الضَّنْكُ فِي الْمَعِيشَةِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ وَكَانُوا أُولِي سَعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا مُكْثِرِينَ، فَكَانَتْ مَعِيشَتَهُمْ ضَنْكًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِمُخْلِفٍ لَهُمْ مَعَايشَهُمْ مِنْ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، وَالتَّكْذِيبِ بِهِ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَكْذِبُ بِاللَّهِ، وَيُسِيءُ الظَّنَّ بِهِ، اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ، فَذَلِكَ الضَّنْكُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْبَرْزَخِ، وَهُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ: عَذَابُ الْقَبْرِ، إِنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا تَنْهَشُهُ وَتَخْدِشُ لَحْمَهُ حَتَّى يُبْعَثَ. وَكَانَ يُقَالُ: لَوْ أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ الْأَرْضَ لَمْ تُنْبِتْ زَرْعًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ.