يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذَكَرِي} الَّذِي أُذَكِّرُهُ بِهِ فَتَوَلَّى عَنْهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ، وَلَمْ يَتَّعِظْ بِهِ فَيَنْزَجِرُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنْ خِلَافِهِ أَمْرَ رَبِّهِ {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}
يَقُولُ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً.
وَالضَّنْكُ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْمَعَايِشِ: الشَّدِيدُ، يُقَالُ: هَذَا مَنْزِلٌ ضَنْكٌ: إِذَا كَانَ ضَيِّقًا، وَعَيْشٌ ضَنْكٌ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
[البحر الكامل]
وَإِنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}
يَقُولُ: الشَّقَاءُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ ذِكْرِهِ الْعِيشَةَ الضَّنْكَ، وَالْحَالِ الَّتِي جَعَلَهُمْ فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فِي جَهَنَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جُعِلَ طَعَامُهُمْ فِيهَا الضَّرِيعُ وَالزَّقُّومُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ} قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكُفْرِ.
قَالَ: وَمَعِيشَةً ضَنْكًا فِي النَّارِ شَوْكٌ مِنْ نَارٍ وَزَقُّومٍ وَغِسْلِينَ، وَالضَّرِيعُ: شَوْكٌ مِنْ نَارٍ، وَلَيْسَ فِي الْقَبْرِ وَلَا فِي الدُّنْيَا مَعِيشَةٌ، مَا الْمَعِيشَةُ وَالْحَيَاةُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} قَالَ: لِمَعِيشَتِي، قَالَ: وَالْغِسْلِينُ وَالزَّقُّومُ: شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الدُّنْيَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً فِي الدُّنْيَا حَرَامًا. قَالَ: وَوَصَفَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مَعِيشَتَهُمْ بِالضَّنْكِ، لِأَنَّ الْحَرَامَ وَإِنِ اتَّسَعَ فَهُوَ ضَنْكٌ.
عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قَالَ: الْعَمَلُ الْخَبِيثُ، وَالرِّزْقُ السَّيِّئُ