وأسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم، وإن لم يباشره إلا بعضهم، ويقال للقبيلة الكبيرة أنتم فعلتم كذا مع أن الفاعل واحد منهم، لكونه بين أظهرهم.
وقوله: وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي: استكبروا عن امتثال أوامره واجتناب نواهيه. من العتو وهو النبو، أي: الارتفاع عن الطاعة والتكبر عن الحق والغلو في الباطل. يقال: عتا يعتو عتيا، إذا تجاوز الحد في الاستكبار. فهو عات وعتى.
وقد اختار القرآن كلمة عَتَوْا لإبراز ما كانوا عليه من تجبر وتبجح وغرور خلال اقترافهم
للمعاصي والجرائم التي من أبرزها عقر الناقة، فهم قد فعلوا ما فعلوا عن تعمد وإصرار على ارتكاب المنكر.
ثم لم يكتفوا بكل هذا، بل قالوا لنبيهم في سفاهة وتطاول: يا صالِحُ ائْتِنا، بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
نادوه باسمه تهوينا لشأنه، وتعريضا بما يظنون من عجزه وقالوا له على سبيل تعجل العذاب الذي توعدهم به إذا استمروا في طغيانهم ائتنا بما توعدتنا به إن كنت صادقا في رسالتك.
ولقد كان رد القدر على تبجحهم وعتوهم واستكبارهم سريعا قال - تعالى - فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ:
الرجفة: الزلزلة الشديدة. يقال: رجفت الأرض ترجف رجفا، إذا اضطربت وزلزلت ومنه الرجفان للاضطراب الشديد.
وجاثمين: من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل، يقال جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره أو لزم مكانه فلم يبرحه.
والمعنى: فأخذت أولئك المستكبرين الرجفة، أي: الزلزلة الشديدة فأهلكتهم، فأصبحوا في بلادهم أو مساكنهم باركين على الركب، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون.
وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ويتركهم القرآن على هيئتهم جاثمين، ليتحدث عن نبيهم صالح الذي كذبوه فيقول:
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ.