فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 344

فيه يوميا ثم يخرج في اليوم الثاني إلى مثل ذلك قد شايعه في طريقه الوزراء والقواد وأمراء الأجناد والعلماء والفقهاء والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه

إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله بحيث يسمعون كلامه ولا يرون شخصه فلا يشتهي شيئا من معرفة أخبار الأمصار والبلدان إلا وخط فيه كتابا يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الأماكن مسيرة الأيام والليالي فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجو ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الأرض وينقض على وطنه وموضع فراخه فإذا نزل لا يستقر نزوله حتى يؤخذ الكتاب من جناحه فيجاوب بما أحب ثم يسرح غيره فيرتفع في الجو حتى يوازي وطنه وموضعه من بعد تلك الأماكن التي عليها طريق أمير المؤمنين فيؤخذ الجواب منه وقد صار الموكلون بذلك لا يهتمون بغير ما قلدوا ولا يتشاغلون بغير ما حملوا فلم يزل كذلك ماشيا حتى وصل إلى مكة في ثلاثة أشهر فقضى حجه وشهد مناسكه ومشاعره

ثم انصرف قافلا إلى بغداد وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومئة

فلما هم بالإنصراف وذكر القفول إلى العراق رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولي عليهم قاضيا عدلا فأدخلهم على نفسه فقال إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا فخرجوا فاختاروا رجلا فاختلفوا فيه فاختارت طائفة منهم رجلا واختارت أخرى رجلا آخر فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم

فقال لهم هارون أدخلوا علي هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما فإذا برجلين أحدهما شيخ من قريش والآخر غلام حدث من الموالي

فلما نظر إليهما الرشيد قال للشيخ ادن مني فدنا منه فقال له الرشيد أيها القاضي إن بيني وبين وزيري هذا خصومة وتنازعا فاقض بيننا بالحق

فقال الشيخ قصا علي قصتكما فقصا عليه فقال الشيخ تقيم البينة يا أمير المؤمنين على ما ذكرته أو يحلف وزيرك هذا

فقال له هارون إن أخي لا يدافعني ما أقول ولا ينكر إلا قليلا مما أدعي فلم يزالا يرددان القول بينهما ويتنازعان حتى قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير

فقال له قم فقام عنه

ثم دعا بالغلام الحدث الذي دعته الطائفة الأخرى فدخل عليه فقال له ادن مني فدنا منه

فقال له هارون إن بيني وبين وزيري تنازعا وخصومة فاسمع منا قولنا ثم اقض بيننا بالحق

قال لهما إن مقعدكما مختلف ومجلسكما متناء وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول وكان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحجته وأدحض لحجة صاحبه وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر وإليه أميل ولكن تقومان من مجلسكما هذا الذي قد استعليتما فيه فتجلسا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت