تطرف في الدنيا
فقال رجاء لعمر كيف ترى قولي والله لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين وإنها الفتنة قد فتح بابها
فقال عمر أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله
قال رجاء فقلت لعمر ما نحن صانعون إن كان هذا فقال عمر لا أدري ما أقول في موقفي هذا
قال رجاء ولم فقال عمر لأني والله ما وقفت موقفا قط لا رأي لي فيه ولا بصيرة إلا موقفي هذا فإني قد أجدني قد ذهب روعي وفقدت رأيي ولا أدري ما أستقبل من أمري ولا ما أستدبر ولو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا حيث لا أدرك ولا أرى
قال رجاء فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه وبصيرته
قال رجاء فقلت له يا أبا حفص فأين نحن من المفزع إلى الله والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة فقال عمر بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد
قال رجاء فبتنا ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء والإستخارة لله
فلما أصبحنا قلت لعمر ما ترى يا أبا حفص فقال أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت
قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول قد قضى أمير المؤمنين نحبه فخرجا فإذا بالعويل والنوح فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول لست به حتى دخل المسجد وقد اجتمع الناس وهم مستعدون للفتنة والقتال إن خالف العهد ما يريدون
فقام رجاء إلى جانب المنبر فحمد الله وحض الناس على الطاعة ولزوم الجماعة وأعلمهم بما في الفرقة والإختلاف من ذهاب الدين والدنيا ثم أخرج العهد ففضه بمحضر منهم ثم قرأه عليهم
فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية والوحدانية وأن محمدا عبده ورسوله بعثه إلى محسني عباده بشيرا وإلى مذنبيهم نذيرا وأن الجنة حق وأن النار حق مخلوقتان خلق الجنة رحمة لمن أطاعه والنار عذابا لمن عصاه وأوجب العفو لمن عفا عنه وأن إبليس في النار وأن سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة والمغفرة
وأن المقادير كلها خيرها وشرها من الله وأنه هو الهادي وهو الفاتن لم يستطيع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية ولا لمن خلق لعذابه هداية وأن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل إلى أمته حق يقين لا منجي لمن خرج من الدنيا إلى الآخرة من هذه المسألة
وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم منه الثبات على الحق عند تلك المسألة والنجاة من أهوال تلك الفتنة وأن الميزان حق يقين يضع الموازين القسط ليوم القيامة فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك