فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 344

الحجاج ذلك علم ما أراده والذي توقع فتقدم إلى أمراء أجناده وقواده وإلى أهل عسكره عامة ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الأشعث ولا يعرضه على نفسه وإن أمكنته الفرصة منه إلا يوم الأربعاء فلما كانت صبيحة يوم الأربعاء وهو يوم يتطير به أهل العراق فلا يتناكحون ولا يسافرون فيه ولا يدخلون من سفر ولا يبايعون فيه بشيء ولا بالبغل الأغر الأشقر

قال فدعا الحجاج ببغلة شقراء محجلة فركبها خلافا لرأيهم واستشعارا بطيرتهم وتوكلا على الله ونادى مناديه في عسكره أن انهضوا

إلى قتال ابن الأشعث وأمر خاصته فركبوا معه وقدم رجالته وأخر خلفه مقاتلته حتى إذا كانوا من عسكر ابن الأشعث على مثال الأسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال وفعل مثل ذلك ابن الأشعث وترجل الحجاج وخاصته ووضع له منبرا من حديد فجلس عليه وترامى الناس حتى إذا كاد القتال ينشب خرج رجل من أصحاب ابن الأشعث وهو ينادي ألا هل من مبارز فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشي وهو يمشي مشية قد لامه الحجاج عليها وكرهها له

فلما رآه الحجاج وهو يمشي تلك المشية قال الحجاج ظلمتك يا عنبسة لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا

فلما دنا من الرجل قال له عنبسة فمن أنت يا منتخي فقال رجل من بني تميم ثم من بني دارم فحمل عليه عنبسة فبدره بالضربة فقتله ثم انصرف إلى مجلسه فجلس وقد تبين للناس حسن صنعه ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض واشتد قتالهم وانتحى سفيان على مركزه لم يرم والجرشي على مركزه لم يرم وكانت ميلتهم على الميسرة فنحوا عبد الرحمن العكي

فما رآه الحجاج قد انكسرت ناحيته وزال عنها بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في خيل

فقال انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه ففعل وبعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم فحمل عليهم سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها وكان بإذن الله الفتح والغلبة من ناحية سفيان وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال فمنعه الحجاج وقال له لا إلا أن ترى أمرا مقبلا وتمكنا من فرصة فاجتمع الأمر وثاب العكي وانهزم ابن الأشعث واستحقت هزيمته فدعا الحجاج بدابته فركبها وركب من كان مترجلا معه بعد سجود ودعاء وشكر كان منه على ما صنع الله به ومن كان معه وحمدوا الله تعالى كثيرا وكبروا تكبيرا عاليا ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم وحسر بيضته عن رأسه فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده وهو يتمثل بهذه الأبيات وهي من قول عبيد بن الأبرص أو من قول اليشكري

( كيف يرجون سقاطي بعدما ** جلل الرأس بياض وصلع )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت