قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: قال ذلك وإن خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال، وقال محمد الباقر رحمه الله: قالها وإنه محتاج إلى شق تمرة، وروي عن مطرف أنه قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع المرأة ولكن حمله على ذلك الجهد، وذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي عن النصرآباذي أنه قال في قول: {إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} لم يسأل الكليم الخلق وإنما كان سؤاله من الحق، ولم يسأل غذاء النفس إنما أراد سكون القلب.
وقال أبو سعيد الخراز: الخلق مترددون بين ما لهم وبين ما إليهم، من نظر إلى ماله تكلم بلسان الفقر، ومن شاهد ما إليه تكلم بلسان الخيلاء والفخر، ألا ترى حال الكليم عليه السلام لما شاهد خواص ما خاطبه به الحق كيف قال: (أرني أنظر إليك) ؟
ولما نظر إلى نفسه كيف أظهر الفقر وقال: (إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير) ؟
وقال ابن عطاء: نظر من العبودية إلى الربوبية فخشع وخضع، وتكلم بلسان الافتقار بما ورد على سره من الأنوار، افتقار العبد إلى مولاه في جميع أحواله، لا افتقار سؤال وطلب.
وقال الحسين: فقير لما خصصتني من علم اليقين أن ترقيني إلى عين اليقين وحقه، ووقع والله أعلم في قوله: {لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أن الإنزال مشعر ببعد رتبته عن حقيقة القرب فيكون الإنزال عين الفقر فما قنع بالمنزل وأراد قرب المنزل، ومن صح فقره ففقره في أمر آخرته كفقره في أمر دنياه، ورجوعه إليه في الدارين وإياه يسأل حوائج المنزلين، وتتساوى عنده الحاجتان فما له مع غير الله شغل في الدارين. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...