وكلمة"كفلها"أي تولى كل مهمة تربيتها ، هذه هي الكفالة ، ونحن نعرف أن الكفيل فِي عرفنا هو الضامن ، والضامن هو من يسد القرض عندما يعجز الإنسان عن السداد ، وقوله الحق: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} يعطينا المعنى الواضح بأن زكريا عليه السلام هو الذي قام برعاية شئون مريم.
ويتابع الحق الكريم قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} إنه لم يدخل مرة واحدة ، بل دخل عليها المحراب مرات متعددة. وكان زكريا عليه السلام كلما دخل على مريم يجد عندها الرزق ، ولذلك كان لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق ، ولا بد أن يكون تساؤله معبرا عن الدهشة ، لذلك يجيء القول الحق على لسان زكريا: {أَنَّى لَكِ هَذَا} .
وساعة أن تسمع {أَنَّى لَكِ هَذَا ؟} فهذا يدل على أنه قام بعمل محابس على المكان الذي توجد به مريم ، وإلا لظن أن هناك أحدا قد دخل على مريم ، وكما يقولون: فإن زكريا كان يقفل على مريم الأبواب. وإلا لو كانت الأبواب غير مغلقة لظن أن هناك من دخل وأحضر لها تلك الألوان المتعددة من الرزق.
والرزق هو ما ينتفع به - بالبناء للمجهول - وعندما يقول زكريا عليه السلام: {أَنَّى لَكِ هَذَا} . فلنا أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن أي إنسان وكله الله على جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد من الطاقة أو حدود الداخل ، فلا بد أن يسأل كُلاًّ منهم: من أين لك هذا ؟ ذلك أن فساد البيوت والمجتمعات إنما يأتي من عدم الإهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال المحدد: من أين لك هذا ؟