وكلمة"أقلامهم"قال فيها المفسرون: إنها القداح التي كانوا يصنعونها قديما ، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة ، فرموها فِي البحر ، فمن طفا قلمه لم يأخذ رعاية مريم ، ومن غرق قلمه فِي البحر فهو الذي فاز بكفالة مريم. إذن فهم قد خرجوا عن مراداتهم إلى مراد الله.
والخروج عن المرادات ، والخروج عن الأهواء بجسم ليس له اختيار - كقداح القرعة - لا يوجد فِي النفس غضاضة. لكن لو كان هناك من سيأخذ رعاية مريم بالقوة والغضب فلا بد أن يجد نفوس الآخرين وقد امتلأت بالمرارة أو الغصب. ولذلك فقد كان سائدا فِي ذلك العصر عملية إجراء السهام إذا ما خافوا أن يقع الظلم على أحد أو أن يساء الظن بأحد ، وهناك قصة سيدنا يونس عندما قاربت السفينة على الغرق ، وكان لا بد لإنقاذها أن ينزل واحد إلى البحر ، وجاء القول الحكيم:
{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 139 - 144] .
كان لا بد أن ينزل واحد من تلك السفينة ، لذلك تم إجراء قرعة بالسهام حتى لا تقوم معركة بين الموجودين على ظهر السفينة ، وحتى لا تكون الغلبة للأقوياء ، ولكن القرعة حمت الناس من ظلم بعضهم بعضا.
قالوا: لنجر قرعة السهام ، فمن يخرج سهمه فهو الذي يلقى به ، وكان على يونس عليه السلام أن ينزل إلى اليم فيلتقمه الحوت. ولأنه من المسبحين فإن الله ينقذه. لقد قبل يونس عليه السلام اختيار الله ولم ينس تسبيح الله فكان فِي ذلك الإنقاذ له. وهكذا نقرأ قول الله لنفهم أن كفالة زكريا كانت باختيار الله. {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} .