يَصْطَفِي مِنْ خَلْقِهِ مَنْ يَشَاءُ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ شَاءَ اصْطَفَاهُ فَاصْطَفَاهُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ أَنَّهُ اصْطَفَاهُ بِالْفِعْلِ ; إِذْ جَعَلَهُ هَادِيًا لِلنَّاسِ مُخْرِجًا لَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ وَالْفَسَادِ إِلَى نُورِ الْحَقِّ الْجَامِعِ لِلتَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ أَثَرُ غَيْرِهِ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَظْهَرَ مِنْ أَثَرِهِ، بَلْ أَثَرُهُ أَظْهَرُ وَنُورُهُ أَسْطَعُ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى
كُلِّ عَبْدٍ مُصْطَفًى - وَهَذَا بَيَانٌ لِوَجْهِ اتِّصَالِ الْقِصَّةِ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ.
وَمِنْ هَذِهِ الْمُثُلِ قِصَّةُ مَرْيَمَ فَإِنَّ أُمَّهَا إِذَا كَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ وَهِيَ عَاقِرٌ عَلَى خِلَافِ الْمَعْهُودِ كَمَا نُقِلَ، أَوْ يُقَالُ: إِذَا كَانَ قَبُولُ الْأُنْثَى مُحَرَّرَةً لِخِدْمَةِ بَيْتِ اللهِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْهُودِ عِنْدَهُمْ وَقَدْ تَقَبَّلَهُ اللهُ فَلِمَاذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ اللهُ مُحَمَّدًا مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى خِلَافِ الْمَعْهُودِ عِنْدَهُمْ؟ وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْآتِيَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ يُعْلَمُ أَنَّ أَعْمَالَهُ - تَعَالَى - لَا تَأْتِي دَائِمًا عَلَى مَا يَعْهَدُ النَّاسُ وَيَأْلَفُونَ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 3 صـ 236 - 243}