رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَنَّ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ وَأَنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ بِجَعْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ ، وَتَمْكِينِهِ هُوَ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ تَسْخِيرِهَا ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمِنَ اصْطِفَاءِ نُوحٍ وَجَعْلِهِ أَبَا الْبَشَرِ الثَّانِي وَجَعْلِ ذُرِّيَّتِهِ هُمُ الْبَاقِينَ ، وَمِنَ اصْطِفَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ عَلَى الْبَشَرِ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ ، فَالْأَوَّلُونَ يَفْخَرُونَ بِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَعَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا يَفْخَرُ الْآخَرُونَ بِاصْطِفَاءِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَفِيدِ إِبْرَاهِيمَ ، فَاللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يُرْشِدُ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ وَجَمِيعَ الْبَشَرِ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اصْطَفَى هَؤُلَاءِ بِغَيْرِ مَزِيَّةٍ سَبَقَتْ مِنْهُمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَتُوجِبُهُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ لَهُ فِي اصْطِفَاءِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَبِذَلِكَ اصْطَفَى هَؤُلَاءِ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ ، فَمَا الْمَانِعُ بِهِ مِنَ اصْطِفَاءِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْعَالَمِينَ كَمَا اصْطَفَى أُولَئِكَ ؟ لَا مَانِعَ يَمْنَعُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَعْقِلُ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ أَنْ بَعَثَ نَبِيًّا مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ . قُلْنَا وَلِمَ اصْطَفَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ وُجُودِهِمْ ؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ ؟ بَلَى وَبِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ اصْطَفَى مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَهَذِهِ الْمُثُلُ مَسْبُوقَةٌ لِبَيَانِ أَنَّهُ - تَعَالَى -