وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر؛ فإن أشكال الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة.
قال: فرأى يوماً غراباً مع حمامة فتعجب من ذلك، وقال: اتفقا وليسا من شكل واحد، ثم طارا، فإذا هما أعرجان، فقال: من هاهنا اتفقا.
قال حجة الإسلام: ولذلك قال: كل إنسان يأنس إلى شكله، كما أن كل طير مع جنسه.
وقد روى الإمامان؛ البخاري من حديث عائشة، ومسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الأَرْواحُ جُنُوْدٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْها ائتُلَفَ، وَما تَنَاكَرَ مِنْها اخْتَلَفَ".
قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: الأرواح جنود مجندة؛ تلاقى فتَشَامُّ كما تَشَامُّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. نقله البغوي في"شرح السنة".
ثم قال: وفي الحديث - يعني: المتقدم: بيان أن الأرواح خلقت قبل الأجساد، وأنها مخلوقة على الائتلاف والاختلاف، كالجنود المجندة إذا تقابلت تواجهت.
قال: وذلك على ما جعلها عليه من السعادة والشقاوة.
ثم الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل والتناكر في بدء الخلق، فترى البَرَّ الْخَيِّرَ يحب مثله، والفاجر يألف شكله، وينفر كلٌّ عن ضده. انتهى.
وقال بعضهم في عقد الحديث: من البسيط
إِنَّ الْقُلُوْبَ لأَجْنادٌ مُجَنَّدَةٌ ... لِلَّهِ فِيْ الأَرْضِ بِالأَهْواءِ تَخْتَلِفُ
فَما تَناكَرَ مِنْها فَهْوَ مُخْتَلِفٌ ... وَما تَعارَفَ مِنْها فَهْوُ مُؤْتَلِفُ
وقد روى الإمام أحمد، والحسن بن سفيان في"مسندهما"عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن امرأة بمكة كانت تُضحِك النِّساء، وكانت بالمدينة أخرى، فنزلت المكيَّة على المدنيَّة، فدخلت على عائشة، فأضحكتها، فقالت: أين نزلتِ؟ فذكرت لها، فقالت: صدق الله ورسوله؛ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"الأَرْوَاحُ جُنُوْدٌ مُجَنَّدةٌ"، الحديث.