لا يقبل الارتياب أصلًا لتعاضد الأدلة كذا قيل. ويرد عليه أن الذهول عن مقدمات الدليل
ممكن وأن تعاضد الأدلة فلا فرق بين يقين ويقين في إمكان الذهول عن مقدمة من مقدمات
الأدلة، وأَيْضًا هذا لا يلائم ما مَرَّ من أن اليقين ما لا يحتمل النقيض أصلًا لا حالًا ولا مآلًا
وقد صرح به العلماء برمتهم، واعتراء الشبهة احتمال النقيض مآلًا فلا بد من التوفيق بين
الْكَلَامين، فالأَولى ما في الكَشَّاف من الْمَذْكُور آنفًا، وقوله ولأن فيه تعريضًا بحال من عداهم
كأنه قال: وليخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر والْمُصَنّف عدل
عنه إلَى ما ذكره والله أعلم بصحته. قوله حيثما عراه شبهة إما للظرفية أو للتعليل.
قوله: (وليقول الَّذينَ) الآية. أعيد اللام لطول العهد أو للإشَارَة إلَى
الفرق بين العلتين بل بين العلل فإن قول الْمُنَافقينَ ليس غرضًا من جعل الزبانية تسعة عشر
بخلاف الأول فإنها في صورة الغرض، فالجعل الْمَذْكُور سبب لهذا الْقَوْل ويترتب عليه
وليس في صورة الغرض وأفعال الله تَعَالَى غير معللة بالأغراض بالْمَعْنَى الْمَشْهُور، بل هي
معللة بالحكم والمصالح وهذا مراد المحققين بقولهم: إن أفعال الله معللة بالأغراض لا
بالْمَعْنَى الحقيقي للغرض فإنه محال، وجعل المعلل كون العدد الْمَذْكُور فتنة الْكَافرينَ لأن
ما ذكر في كتابهم كون العدد المذكور فتنة لهم لا جعل العدد الْمَذْكُور وحده.
قوله: (شك أو نفاق) أشار به إلَى أن المرض مُسْتَعَار لهما كما فصل في أول البقرة.
وقد جوز هناك كون المرض حَقيقَة في النفاق أَيْضًا ولم يعمم إلَى الكفر مع أنه مرض أيضًا
لقَوْله تَعَالَى: (والكافرون) الخ.
قوله:(فتكون الآية إخبارًا بمكة عَمَّا سيكون في المدينة بعد الهجرة الجازمون في
التَّكْذيب)فتكون إخبارًا هذا ناظر إلَى قَوْله أو نفاق ودفع إشكال بأن النفاق حدث في
المدينة بعد الهجرة والسُّورَة مكية فَكَيْفَ يصح إرادة النفاق وجُعل الكافرون مقابلين للَّذينَ
في قُلُوبهمْ مرض؛ إذ الْمُرَاد الجازمون في التَّكْذيب، كَمَا صَرَّحَ به [تصحيحًا] للمقابلة وهو أنه
فوق المرض ادعاء وكون الْمُنَافقينَ أخبث من الكافرين المجاهرين وهم الْمُرَاد هنا لضمهم
الخدعة إلَى الكفر.
قوله: (أي شيء أراد) معنى مجموع ماذا عَلَى أن مجموعه اسم اسْتفْهَام اختاره
المص هنا أو ما استفهامية وذا اسم موصول.
قوله: (بهذا العدد المستغرب استغراب المثل) نبه به عَلَى أن المثل هنا اسْتعَارَة لهذا
العدد؛ لأنه مشابه له في الغرابة فذكر المثل وأريد العدد الْمَذْكُور أي تسعة عشر.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: فيكون إخبارًا بمكة عَمَّا سيكون في المدينة. هذا توجيه لقوله أو نفاق جوابًا عَمَّا عسى
يسأل ويقال: السُّورَة مكية ولم يكن في مكة نفاق، وإنَّمَا حدث في المدينة.