واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل: لم نسخ الله ذلك ؟ فقال: لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله ، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم ، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة ، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: {إِنَّ لَكَ فِى النهار سَبْحَاً طَوِيلاً} [المزمل: 7] فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخاً في حقه.
ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال وعن ابن مسعود:"أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء"ثم أعاد مرة أخرى قوله: {فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} وذلك للتأكيد ثم قال: {وأقيموا الصلاة} يعني المفروضة {وآتوا الزكاة} أي الواجبة وقيل: زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنياً.
قوله تعالى: {وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً} فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه يريد سائر الصدقات وثانيها: يريد أداء الزكاة على أحسن وجه ، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعاً للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه الله والصرف إلى المستحق وثالثها: يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال.
ثم ذكر تعالى الحكمة في إعطاء المال فقال: {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: