اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {لِيَعْلَمَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: لِيَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَدْ أَبَلَغَتِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ عَنْ رَبِّهَا.
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لِيَعْلَمَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ أَبَلَغَتْ عَنِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ حَفِظَهَا، وَدَفَعَ عَنْهَا
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لِيَعْلَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أَنْ قَدْ بَلَّغَتِ الْمَلَائِكَةُ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَرْبَعَةُ حَفَظَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةَ مَعَ جِبْرَائِيلَ {لِيَعْلَمَ} مُحَمَّدٌ {أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} قَالَ: وَمَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِشَيْءٍ مِنَ الْوَحْي إِلَّا وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ حَفَظَةٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ أَنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {لِيَعْلَمَ} مِنْ سَبَبِ قَوْلِهِ: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} وَذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الرَّسُولِ، فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ لِيَعْلَمَ مِنْ سَبَبِهِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ}
يَقُولُ: وَعَلِمَ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُمْ
{وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}
يَقُولُ: عَلِمَ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} قَالَ: لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أَنَّ رَبَّهُمْ أَحَاطَ بِهِمْ، فَبَلَّغُوا رِسَالَاتِهِمْ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 23/}