في الخطاب بتعداد النعم والتحذير من النقم، ويقول لنا ولهم: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ (49) . عندما يسوق ذكر الموجودات كلها.
قوله - جلَّ جلالُه -: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ(50) هاتان الجنتان - والله أعلم بما
ينزل - في تلك الدار مثالان لجنتا الدنيا اللتأن يكونان والشمس صاعدة إلى البروج
الشمالية، فإن المياه فيهن جارية وأنهارها قد تكاملت زيادتها فهي تنفجر عيونًا،
لذلك وهو أعلم قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(51) . وعند ذكره
الجنتين بعد هذا يقوى دليل هذا الاعتبار - إن شاء الله تعالى.
نظم بذلك قوله الحق - عز من قائل: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ(52)
جمع في هاتين في جميع جنات الدار الآخرة فواكه ما من شأن المصيف والشتاء أن يحضر فيهما يحضران في تلك معًا كمالا (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْنُوعَةٍ (33) . وبوجه آخر أنه يبلغ بالنشء إلى أن توجد هاتان الجنتان عن
موضع إيجاده جهنم، فإنه أوجدها عن غضبه، وصورها صورة على مقتضى سخطه
وانتقامه، والجنة موضع موجود مفيض رضوانه ومحبته وفيض جوده وإعطائه فهو
يوجد برضاه من موضع غضبه إكراما وإجلالاً.
ويوجد عن ذلك من موجودات الجنة من نسوانها وولدانها وجناتها وأشجارها
وثمارها وفواكهها، كما أوجد في هذه عن فيح جهنم بواسطة فتح رحمته الجنات،
وأكثر الموجودات من نساء وولدان ودواب وأنعام، بل الموجود كله في هذه الدار
عن هذا، فافهم لذلك وهو أعلم أحال على ما هاهنا بقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ (53) .
وهذه عبرة لا يصح لك اعتقادها حتى تؤمن بها وتعلم يقينًا أن الله - جل ذكره -
لو شاء أن يجعل من جهنم جنة بأن يدخل فيها رحمته ويشأ ذلك منها لفعل، وأنه
لفاعل ذلك في الجنة إن شاء الله، ينشئ جنة من موضع رضوانه وينشئ أخرى من
موضع سخطه بواسطة رضوانه ورحمته ومشيئته في ذلك، فاعلم يقينًا.
ومن ذلك قوله - جل من قائل: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) .
(فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) جنة جزاء، لأنهم انتهوا عما