قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)
يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ سَائِرِ الْمُفَسِّرِينَ، سِوَى الْحَسَنِ فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذُو مِرَّةٍ) عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ تَمَامُ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ ذُو قُوَّةٍ وَالْقُوَّةُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَصْلُهُ مِنْ شِدَّةِ فَتْلِ الْحَبْلِ، كَأَنَّهُ اسْتَمَرَّ بِهِ الْفَتْلُ حَتَّى بَلَغَ إِلَى غَايَةٍ يَصْعُبُ مَعَهَا الْحَلُّ.
ثُمَّ قَالَ: (فَاسْتَوى) يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَيِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ.
رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالْفَرَّاءُ: (فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى) أَيِ اسْتَوَى جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَهَذَا عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَرْفُوعِ بِ (هُوَ) .
وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادُوا الْعَطْفَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَظْهَرُوا كِنَايَةَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: اسْتَوَى هُوَ وَفُلَانٌ، وَقَلَّمَا يَقُولُونَ اسْتَوَى وَفُلَانٌ، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودَهُ ... وَلَا يَسْتَوِي وَالْخِرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ
أَيْ لَا يَسْتَوِي هُوَ وَالْخِرْوَعُ، وَنَظِيرُ هَذَا: (أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا) وَالْمَعْنَى أئذا كُنَّا تُرَابًا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا.
وَمَعْنَى الْآيَةِ: اسْتَوَى جِبْرِيلُ هُوَ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بالأفق الأعلى.
وَأَجَازَ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الزَّجَّاجُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَاسْتَوَى جِبْرِيلُ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَجْوَدُ.
وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَوِي جِبْرِيلُ فَمَعْنَى (ذُو مِرَّةٍ) فِي وَصْفِهِ ذُو مَنْطِقٍ حَسَنٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ.