قيل: إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ. .) الآية. وقوله: (وَأَسْلِمُوا) ، ونحو ذلك، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن نقول: نحن صلحاء أتقياء؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان، ويمنع في غيره من الطاعات.
والثاني: أن ليس في نفس الإيمان تزكية؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء، كافرون بشيء، بقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ، وقول أُولَئِكَ: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) ، وقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ، وفي نفس التقى والصلاح تزكية.
وقيل: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم، وذلك متعارف في الناس: أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم، ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة، وذلك محتمل يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كُلًّا في نفسه أن يزكي، واللَّه أعلم.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى(55)
ظاهر هذا وظاهر قوله - تعالى -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ، مشكل؛ لأنه ذكر آلاء، ولو عرف أنها آلاء ربه، لكان لا يكذبه، لكن يخرج على وجوه: على التقديم والتأخير والإضمار؛ كأنه يقول: فبأي آلاء من آلاء ربكم شاهدتموه وعاينتموه تتمارون، وكذلك: فبأي آلاء ربكما الذي أقررتم به تكذبوني.
أو يقول: فبأي آلائه وإحسانه تتمارى، فكيف أنكرتم إحسانه بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؟!
أو كيف صرفتم شكر نعمه إلى غيره.
أو تكون الآلاء هاهنا هي الحجج؛ يقول: فبأي حجة من حجج ربك تنكر رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو تتمارى فيها؛ أي: لا حجة لك في تكذيبك إياه أو إنكارك رسالته. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي} ...